( 1 )
الكلاب في مدينتنا لها سطوة عجيبة , والناس في الغالب يستهويهم عشق كل عجيب وغريب , ومن عادة بعض أبناء مدينتنا عشق الكلاب , والحنين إلى عوالمها , رغم كل شيء تقريباً … رغم كل شيء… حتى وإن كان هذا الشيء , منح هذه الكلاب صكوكاً على بياض , للتصرف كما يحلو لها , دون أي اعتراض من أحد , خصوصاً إذا كان هذا الأحد لايملك أي كلب قرب باب بيته , أو مجرد جرو هزيل يجعله في عداد أصحاب الكلاب , العارفين بأسرارها وقوانينها , التي سنها حكيم بدوي , أجبر خصومه على الإمساك بذيل أطول كلابه بطريقة عمودية , وغمره بمحصول قريتهم وكل القرى المجاورة من قمح البرية المحصود بمناجل لامعة تحت ضوء القمر , وعندما لمح نظرة الانكسار في عيون غرمائه , أصدر حكمته الذهبية :
" لا تضرب كلباً , قبل أن تعرف صاحبه " !!
ورغم أن الكلاب ـ كما هي الآن ـ لم تكن تحمل هوية أو علامة , أو وسماً يميزها عن بعضها البعض , أسوة بكل حيوانات القرى الموسومة بندبة معينة , تحدد هويتها أو هوية مالكها على الأقل .
فالأبل في الصحراء المتاخمة للقرى , تحمل شيفرة على أفخاذها تلوح من بعيد , والأبقار في الحظائر توشى رقابها بشيفرة مشابهة , وأغنام المراعي تغطي نصف أصداغها علامات مماثلة , وكذلك الماعز والخيول وبعض الحمير … كلها لم تنج أجسادها من الكي والدمغ بمياسم حديدية محماة على جمر ملتهب .
وحدها الكلاب فقد حرمت أجسادها على نيران القبائل , خوفاً من لعنة سلطان الحكمة , الذي أطلق فتواه الذهبية ورحل بعد ثلاثة أهلة كاملة , ولم ينتظر مواسم المطر التي لم تصب القرى , منذ أغلق عليه قبره , وأثقلوه بحجارة من صوان .
تقول الأسطورة : أن كلباً من سلالة أطول الكلاب وجوهاً , ظل قائماً على رمس الحكيم حتى صرعه الكمد والجوع , فقرر وجهاء القرية دفنه جنباً إلى جثة الحكيم تكريماً لوفائه , وظلت الكلاب في مدينتنا منذ تلك الحادثة " تمذرح " بأذنابها في خيلاء , وتطيل من اخراج ألسنتها في وجوه المارة والسابلة , مستمدة سلطانها من بركة الحكيم حتى الليلة القادمة .
( 2 )
فحينما تقرصك بعوضة الوقت , ويعض أحلامك نباح الكلاب المموسق بصياح الديكة قبيل الفجر , ثق أنك لازلت تعيش على الأرض , وتسكن هذه المدينة ـ التي ورثت كل القرى المجاورة ـ منذ مليون صبح على التوالي , ولازلت كعادتك تخرج من بيتك , كل ضحى توزع الابتسامات , وحلوى السلام على الأطفال والمارة , وتفشي الأسرار التي راودت قلمك في الليلة التي برحت منذ سويعات .
وحيثما تقود سيارتك ذات مساء ليس فيه ضوء قمر , ويقطع طريقك قطيع من الكلاب , وتضرب أوصالك فوبيا العزلة , فثق مرة أخرى أنك لم تزل في مدينتك العامرة بالمتنا